نتنياهو وتونس: صمت دبلوماسي في ظل زعزعة إقليمية

نتنياهو وتونس: صمت دبلوماسي في ظل زعزعة إقليمية

عندما نطرح اسم بنيامين نتنياهو على طاولة النقاش اليوم، في هذا الوقت المحدد من عام 2026، لا نجد أمامنا عناوين صحفية رنانة عن زيارة رسمية قادمة إلى تونس، ولا نرى في الأفق أي إعلان مشترك بين القاهرة والقدس يمسّ المصالح التونسية مباشرة. النتائج التي تظهر أمامنا الآن، وعلى الرغم من ضخامة الاسم وشهرته، تبدو وكأنها صدى بعيد أو ربما مجرد ضجيج رقمي تم تصفيته. هذا الصمت، أو هذا الغياب النسبي للأخبار العاجلة المباشرة التي تربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بالتضاريس السياسية التونسية، هو بحد ذاته خبر. فمعروف أن الدبلوماسية التونسية، خاصة في ظل الحراك السياسي المتسارع منذ 2023، تتعامل بحذر شديد مع الملف الإسرائيلي، تاركة الباب مفتوحاً على مصراعيه من الناحية الاقتصادية والإعلامية، لكنها تغلقه بإحكام عندما يتعلق الأمر بالاعتراف السياسي الرسمي أو المواقف العلنية التي قد تثير غضب الشارع العربي والإسلامي.

لكن، لماذا يظل اسم نتنياهو يتردد في أذهان المتابعين للشأن التونسي؟ الأمر لا يعود إلى الصدفة. فالعلاقات بين تونس وإسرائيل، رغم غياب الدبلوماسية الكاملة، لم تتوقف أبداً. إنها علاقات "في الخفاء" أو ما يمكن تسميته بـ "الديبلوماسية المظللة". هنا، يجب أن نوضح نقطة جوهرية: غياب الأخبار العاجلة المباشرة في نتائج البحث الحالية لا يعني انعدام التأثير. على العكس، فإن كل تحرك إقليمي يقوم به نتنياهو ينعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الوضع الأمني والاقتصادي في تونس. فالاستقرار في المنطقة، أو عدمه، هو معادلة معقدة يؤثر فيها كل طرف في الآخر، حتى لو لم يكن هناك جسر مباشر يربط بين تونس والقدس.

الديبلوماسية المظللة: كيف تدير تونس ملف نتنياهو؟

تونس، بلدنا الحبيب، تعيش واقعاً سياسياً فريداً. من جهة، هناك نداءات شعبية ومواقف برلمانية متشددة ضد الاحتلال الإسرائيلي، تعكس المشاعر العربية الأصيلة. ومن جهة أخرى، هناك واقع اقتصادي وأمني يفرض نوعاً من "التعايش الواقعي". هنا، يأتي دور نتنياهو كشخصية محورية في هذا المعادلة الصعبة. الحكومة التونسية، بغض النظر عن التكوين الوزاري الحالي، تفضل دائماً الحفاظ على قنوات اتصال غير رسمية. لماذا؟ لأن الأمن لا يعترف بالحدود السياسية التقليدية. التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وحتى في مجال الزراعة والتكنولوجيا، يظل قائماً بشكل خفي.

ولكن، ما هي طبيعة هذا التعاون في ظل التطورات الأخيرة؟ لا توجد تفاصيل دقيقة متاحة في النتائج الحالية تشير إلى اتفاق جديد أو زيارة سرية. ومع ذلك، فإن الخبرة التاريخية تخبرنا أن أي حكومة تونسية تفضل عدم المبالغة في العلنية. فكلما كانت العلاقة مع إسرائيل أكثر هدوءاً في العلن، كانت أكثر مرونة في الخفاء. هذا النهج، الذي يمكن وصفه بـ "الواقعية البراغماتية"، يسمح لتونس بالحفاظ على علاقاتها مع العالم العربي والإسلامي، دون أن تغلق الباب في وجه الفرص الاقتصادية والأمنية التي قد تأتي من الشرق. وهنا، يجب أن نسأل: هل يمكن لهذا الوضع أن يستمر إلى الأبد؟ أم أن الضغوط الإقليمية والدولية ستجبر تونس على اختيار جانب؟

"الدبلوماسية التونسية، في جوهرها، هي فن الموازنة بين المبادئ والواقع. وهي تفضل دائماً الحلول التي لا تثير الضجيج، حتى عندما يتعلق الأمر بأقوى اللاعبين في المنطقة."

التأثير الاقتصادي: هل يلمس المواطن التونسي آثار سياسات نتنياهو؟

دعونا نكون واقعيين. المواطن العادي في تونس، سواء في تونس العاصمة أو في صفاقس أو في سوسة، لا يهتم كثيراً بالمناورات السياسية بين العواصم الكبرى. ما يهمه هو سعر الخبز، وتوفر الدواء، وفرص العمل. وهنا، قد يبدو اسم نتنياهو بعيداً جداً عن هموم اليومية. ولكن، هل هو كذلك حقاً؟ لننظر إلى الصورة الأكبر. الاستثمارات الإسرائيلية في المنطقة، خاصة في مجالات التكنولوجيا والزراعة، قد تجد طريقها إلى تونس عبر شركات وسطاء أو شراكات غير مباشرة. كما أن أي تصعيد إقليمي قد يؤثر على أسعار الطاقة والنقل، مما ينعكس سلباً على الاقتصاد التونسي الهش أصلاً.

في السنوات الأخيرة، حاولت تونس تنويع شراكاتها الاقتصادية، والتركيز على القارة الأفريقية كسوق بديلة. هذا التحول الاستراتيجي قد يقلل من الاعتماد المباشر على العلاقات مع إسرائيل، لكنه لا يلغيه تماماً. فالتكنولوجيا الإسرائيلية، خاصة في مجال الأمن السيبراني والري الذكي، لا تزال مرغوبة في العديد من القطاعات التونسية. ومع ذلك، فإن الحساسية السياسية تجعل من الصعب الإعلان عن أي شراكة رسمية. لذا، نرى استمراراً لهذا النمط من التعاون "غير المعلن"، حيث تستفيد تونس من الخبرات الإسرائيلية دون أن تدفع الثمن السياسي الباهظ.

المستقبل: هل سيتغير المشهد مع نتنياهو؟

من الصعب التنبؤ بالمستقبل، خاصة في منطقة متقلبة مثل الشرق الأوسط. لكن، إذا نظرنا إلى الاتجاهات الحالية، نجد أن تونس تميل نحو مزيد من الاستقلالية في سياستها الخارجية. هذا يعني أن أي قرار يتعلق بإسرائيل سيكون مبنياً على المصالح الوطنية التونسية، وليس على الضغوط الخارجية. ومع ذلك، فإن شخصية نتنياهو تبقى عاملاً مهماً في هذا المعادلة. فأسلوبه الحاد ومواقفه المتشددة قد تجعل من الصعب على أي حكومة تونسية أن تعلن عن تقارب رسمي، خاصة في ظل الحراك الشعبي المتصاعد الذي يطالب بمزيد من الانفتاح على الجنوب العربي والإسلامي.

في النهاية، يبقى السؤال المعلق في الهواء: هل سنشهد يوماً ما تحولاً جذرياً في العلاقات التونسية الإسرائيلية؟ أم أن الوضع الحالي، القائم على الصمت والتعاون الخفي، سيستمر لسنوات قادمة؟ الإجابة تعتمد على العديد من العوامل، بما في ذلك التطورات السياسية الداخلية في تونس، والمناورات الإقليمية في الشرق الأوسط. لكن، ما هو مؤكد هو أن اسم نتنياهو سيظل جزءاً من هذا الحوار، سواء أكان ذلك علناً أم في الخفاء. فالتاريخ يعلمنا أن العلاقات بين الشعوب والدول نادراً ما تكون بيضاء أو سوداء تماماً، بل هي دائماً درجات من الرمادي، تتطلب دقة وحكمة في التعامل معها.

وهنا، نتساءل جميعاً: في عالم يتسارع فيه التغيير، هل يمكن لتونس أن تحافظ على توازنها الدقيق، أم أن الرياح القادمة ستجبرها على تغيير مسارها؟

شارك هذا المقال