في يومٍ تتسلل فيه الحرارة إلى العظام قبل أن تصل إلى الجلد، أصبح انقطاع الكهرباء في تونس ليس مجرد إزعاج عابر، بل هو اختبارٌ يومي لصبر المواطنين وحياتهم. اليوم، الاثنين 24 أوت 2026، لم تعد الظلام مجرد زائر ليلي، بل تحول إلى رفيق نهار مرهق. مع صدور ست إشعارات رسمية عن انقطاع الكهرباء على نطاق واسع، تترنح المنظومة الوطنية تحت وطأة الطلب المتزايد، فيما تحاول شركة الكهرباء والغاز (STEG) إدارة الأزمة بأسلوبٍ يشبه إلى حد كبير «التقطيع» الدقيق للوقت والمناطق، في محاولة يائسة للحفاظ على استدامة الشبكة ومنع انهيارها الكلي.
الواقع الميداني: إشعارات واسعة وتأثيرات غير مباشرة
لم يكن اليوم استثناءً في سلسلة من الأيام التي شهدت فيها تونس تدهوراً متسارعاً في جودة الخدمة العمومية. فقد أوضحت مصادر رسمية، نقلتها منصة «الطاقة»، صدور 6 إشعارات بشأن قطع الكهرباء في تونس على نطاق واسع اليوم. هذه الخطوة، التي وصفتها الشركة بأنها ضرورية «لحفاظ على سلامة واستدامة المنظومة»، تأتي بالتزامن مع موجة حر شديدة تضرب البلاد، مما يجعل انقطاع التيار ليس خياراً تقنياً فحسب، بل ضرورة ملحة لتفادي كارثة تقنية أكبر.
ومع ذلك، فإن الصورة الأوسع تظهر أن انقطاع الكهرباء في تونس يتجاوز حدود الأحياء السكنية والمصانع المحلية. فقد بدأت هذه الأزمة في التأثير على الصورة الدولية للبلاد، حيث دخلت إنقطاعات الكهرباء في تونس ضمن «نشرات السفر الأوروبية». لم تعد التحذيرات تقتصر على الإرهاب أو الجريمة أو الحدود، بل امتدت لتشمل «اضطراب الخدمات» و«الكهرباء والحرارة». هذا التحول في طبيعة التحذيرات الأجنبية يكشف عن وجه جديد للمخاطر التي قد يواجهها السائح أو المستثمر الأجنبي في تونس، حيث أصبحت عدم استقرار البنية التحتية عاملاً رئيسياً في تقييم المخاطر.
إن تحويل انقطاع التيار الكهربائي إلى عنصر في «نشرات السفر» هو مؤشر خطير. فهو يعني أن الدولة لم تعد قادرة على ضمان الحد الأدنى من الاستقرار الحياتي، ليس فقط لمواطنيها، بل حتى للزوار الذين يتوقعون مستوى معيناً من الراحة والأمان. هذا الانعكاس السلبي على السياحة والاستثمار هو ثمرة طبيعية لإهمال طويل الأمد للبنية التحتية، والذي يتجلى اليوم في كل انقطاع للضوء.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية: من الجيش الهولندي إلى المياه المعدنية
تأثيرات انقطاع الكهرباء في تونس تمتد إلى آفاق غير متوقعة، بل ومضحكة في قسوتها. فقد كشفت تقارير صحفية، من بينها «القدس العربي»، عن أن موجة الحر الشديدة التي تشهدها تونس بدأت تنعكس سلباً على الشركات الأجنبية داخل البلاد. في حالة غريبة، أدى انقطاع الكهرباء المتكرر عن أحد المرافق إلى التسبب بـ «أزمة ملابس» في الجيش الهولندي! هذا المثال، وإن بدا ساخراً، يسلط الضوء على مدى هشاشة السلسلة الإنتاجية واللوجستية في تونس، وكيف أن انقطاعاً بسيطاً للتيار يمكن أن يخلق ارتدادات عالمية.
في الوقت نفسه، يعاني القطاع المحلي من تداعيات مباشرة. فبينما تحاول شركة الكهرباء والغاز إدارة الأحمال، تواجه القطاعات الأخرى أزمات متسلسلة. فقد أكد رئيس الغرفة الوطنية لمنتجي المشروبات غير الكحولية، الأسعد مزاح، في حديث له يوم الاثنين 24 أوت 2026، أن نسق التزويد بالمياه المعدنية المعلبة سيشهد تحسناً تدريجياً لا قبل سبتمبر. هذا التأخير في تحسن التزود بالمياه، وهو سلعة أساسية في موجة الحر الحالية، يرتبط بشكل غير مباشر بالأزمات الطاقوية والخدمية التي تعيق الإنتاج والتوزيع.
إن الربط بين انقطاع الكهرباء وأزمة المياه المعدنية ليس صدفة. فالصناعات التحويلية، بما فيها تعبئة المياه، تعتمد بشكل كلي على استقرار التيار الكهربائي. عندما ينقطع التيار، تتوقف الآلات، وتتأخر الشحنات، ويواجه المستهلك نقصاً في المنتجات الأساسية. هذا التسلسل المنطقي للأزمات يظهر أن انقطاع الكهرباء في تونس ليس مشكلة معزولة، بل هو حلقة في سلسلة من التدهور الخدمي الذي يؤثر على كل جوانب الحياة اليومية.
«إن تحويل انقطاع التيار الكهربائي إلى عنصر في نشرات السفر الأوروبية هو مؤشر خطير، يعني أن الدولة لم تعد قادرة على ضمان الحد الأدنى من الاستقرار الحياتي.»
القطع الدوري: واقعٌ متكرر في تونس الكبرى
قبل أيام قليلة، وبالتحديد يوم الجمعة 17 جويلية 2026، نشرت شركة الكهرباء والغاز قائمة المناطق المعنية بالقطع الدوري للتيار الكهربائي في تونس الكبرى. هذا الإعلان، الذي نقلته «الستاغ» و«نسمة»، لم يكن حدثاً نادراً، بل هو جزء من روتين صيفي مرير. فالقطع الدوري أصبح لغةً مفهومة لدى سكان العاصمة وضواحيها، حيث يتلقون الإشعارات مسبقاً، ليس للاستعداد، بل للاستسلام.
ومع ذلك، فإن تكرار هذه الإعلانات يعكس فشلاً جوهرياً في تخطيط الطاقة. فبدلاً من الاستثمار في البنية التحتية أو تنويع مصادر الطاقة، تعتمد الشركة على أسلوب «القطع الدوري» كحل سحري لمشكلة هيكلية. هذا الأسلوب، الذي يهدف إلى «حفاظ على سلامة المنظومة»، هو في الواقع اعتراف ضمني بعدم قدرة الشبكة على تلبية الطلب المتزايد، خاصة في أوقات الذروة وموجات الحر.
إن انقطاع الكهرباء في تونس الكبرى، سواء كان دورياً أو طارئاً، يؤثر على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والصناعة. فالمستشفيات تعتمد على مولدات كهربائية قد لا تكون كافية أو صالحة للعمل، والمدارس تضطر إلى تأجيل الدروس أو إلغائها، والمصانع تفقد إنتاجيتها. هذا التأثير التراكمي يؤدي إلى تدهور جودة الحياة وانخفاض الإنتاجية الوطنية، مما يعزز دائرة الفقر والركود.
في خضم هذه الأزمة، يطرح السؤال نفسه: متى ستتحول هذه الإشعارات من كونها جزءاً من الروتين اليومي إلى ذكرى من الماضي؟ وهل ستستمر تونس في دفع ثمن الإهمال الطويل الأمد للبنية التحتية الطاقوية، أم أن هناك خطة حقيقية للخروج من هذا النفق المظلم؟
بينما تتلاشى الشمس اليوم، وتغمر الظلام شوارع تونس الكبرى مرة أخرى، يبقى المواطن وحيداً مع مروحة لا تعمل، وحرارة لا ترحم، وإشعار انقطاع انقطاع الكهرباء الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من هوية الصيف التونسي. «في غياب الضوء، لا تختفي المشاكل، بل تكبر في الظلام.»