قيس سعيد في قابس: زيارة غير معلنة ومحاربة الفساد البيئي

قيس سعيد في قابس: زيارة غير معلنة ومحاربة الفساد البيئي

لم تكن هناك قاعات مزينة، ولا لافتات ترحيبية ضخمة، ولا بروتوكول إعلامي صاخب. فقط زحمة غير متوقعة في شوارع مدينة قابس، ووجوه متوترة تنتظر ما سيخبر به رئيس الجمهورية قيس سعيد عن مصير أرضهم ومياههم. في زيارته غير المعلنة إلى ولاية قابس، وتحديداً إلى منطقة "شاطئ السلام"، يوم الاثنين الماضي، اختار الرئيس التونسي لغة الميدان المباشر بعيداً عن رتابة القصر الرئاسي، ليضع يده على الجرح المفتوح في جنوب البلاد: الكارثة البيئية والمأساة الاجتماعية التي يعيشها أهالي الجهة.

هذه الزيارة، التي تحولت بسرعة إلى حديث الساعة، لم تكن مجرد جولة استطلاعية عابرة، بل كانت محطة فاصلة في خطاب الرئيس الذي ربط بين ما يحدث في المجمع الكيميائي وبين ما يسميه "التلوث السياسي". وسط هدير الآلات ورائحة العوادم التي تلاحق الزوار، وقف قيس سعيد ليعاين بنفسه واقع المؤسسات العمومية التي وصفها بأنها "ليست للبيع أو للتفريط"، في رسالة واضحة إلى كل من يحاول استغلال أزمة المنطقة لتحقيق مكاسب خاصة.

معاينة ميدانية لواقع "المجمع الكيميائي" المتدهور

تحت شمس أوت الحارقة، التي لا ترحم حتى في الأروقة الحكومية، توجه قيس سعيد إلى قلب الأزمة في قابس. لم يكتفِ الرئيس بالاستماع إلى التقارير الورقية التي غالباً ما تكون مبسطة أو مغلوطة، بل خرج إلى "شاطئ السلام" لمعاينة الوضع البيئي المتردي على أرض الواقع. كانت الزيارة، كما أفادت التقارير الأولية، غير معلنة، مما أضفى عليها طابعاً من الصدق الميداني الذي يميز أسلوب العمل الحالي.

في المنطقة، التي تعاني منذ سنوات من الانبعاثات السامة الناتجة عن وحدات المجمع الكيميائي، لم يكن المشهد طبيعياً. الأهالي، الذين تحولت منازلهم إلى ساحات احتجاج دائمة، خرجوا للتعبير عن غضبهم واحتجاجهم. لم يكن شعارهم السياسي فحسب، بل كان شعاراً للحياة والبقاء. طالب الأهالي قيس سعيد مباشرة بالعمل على إغلاق وحدات المجمع الكيميائي، معتبرين إياها السبب الجذري لتعميق الأزمة البيئية في المنطقة. لم تكن المطالبات نظرية، بل كانت نابعة من معاناة يومية تترجمها أمراض تنفسية وجلدية تصيب الأطفال والكبار على حد سواء.

تحتوي الزيارة على رسائل متعددة الطبقات. فمن ناحية، هي رسالة تضامن مع المواطنين المتضررين، ومن ناحية أخرى، هي رسالة تحذير للمؤسسات العمومية التي أصبحت في كثير من الأحيان مجرد أرقام في دفاتر ديون أو أدوات لتصفية حسابات. عندما قال الرئيس إن "مؤسساتنا ومنشآتنا العمومية ليست للبيع أو للتفريط"، كان يقصد بالضرورة المجمع الكيميائي وقابس، حيث تحولت المؤسسة العملاقة إلى مصدر تسمم بيئي واجتماعي.

حرب على الفساد البيئي والسياسي

لم يقتصر خطاب قيس سعيد خلال اجتماعه مع والي الجهة وعدد من نوابها على الجانب البيئي فحسب، بل وسّع الدائرة ليشمل ما أسماه "التلوث السياسي". في خطاب حاد ومباشر، تعهد الرئيس بمحاربة الفساد الذي يتخذ أوجهاً متعددة في تونس، بدءاً من التلوث البيئي الذي يسمم الهواء والماء، وصولاً إلى التلوث السياسي الذي يسمم المؤسسات والقرار العام.

هذه المقارنة ليست مجازية، بل هي قراءة جوهرية للأزمة التونسية من منظور الرئيس. فالفساد البيئي، كما هو الحال في قابس، هو نتيجة مباشرة لإدارة فاسدة ومهترئة للمؤسسات العمومية، حيث غابت الرقابة، وغابت المحاسبة، وغاب المواطن. عندما يصرخ أهالي قابس ضد الانبعاثات السامة، فهم في الواقع يصرخون ضد نظام إداري وسياسي سمح باستمرار هذا الوضع لسنوات طويلة دون أن يتحرك أحد بشكل جاد.

خلال الاجتماعات التي عقدها مع مسؤولي الولاية، أكد قيس سعيد أن تونس تخوض حرباً على كافة الجبهات، وأن الفساد بجميع أشكاله هو العدو المشترك. لم يترك مجالاً للتفاهات أو العذر، بل وضع المسؤولية على عاتق من يتولون إدارة الشأن العام. إن الحديث عن "التلوث السياسي" في سياق زيارة قابس هو إشارة واضحة إلى أن الحل البيئي لا يمكن أن يكون تقنياً فقط، بل يجب أن يكون سياسياً وإدارياً، يتطلب تغييراً في عقلية الإدارة ومحاسبة المسؤولين عن التسيير الخاطئ للمؤسسات العمومية.

"من لا يتحمل المسؤولية سيترك مكانه"، هذه كانت رسالة قيس سعيد الصريحة، التي لم تترك أي مجال للتأويل أو التسويف.

المحاسبة كشرط لاكتساب الثقة

في ختام جولته في قابس، كرر الرئيس تهديده بالمحاسبة، متخذاً من مقولة "من لا يتحمل المسؤولية سيترك مكانه" شعاراً لسياسته الجديدة في إدارة الأزمات. هذه العبارة، التي نُسبت إليه في سياق الزيارة، ليست مجرد تهديد رиторي، بل هي محاولة لكسر حاجز الاستخفاف الذي اعتاد عليه بعض المسؤولين في الجهات. في قابس، حيث التعب والإحباط يتراكمان مع كل يوم يمر دون حل، كانت هذه الكلمات بمثابة وعد بالتحرك، أو على الأقل، بالبدء في عملية تصحيحية جذرية.

السياق العام لهذه الزيارة يعكس تحولاً في طريقة تعامل السلطة المركزية مع مطالب المواطنين. لم يعد يكفي إرسال وفود أو إصدار بيانات، بل أصبح الرئيس نفسه في الميدان، يواجه الغضب، ويسمع الشكاوى، ويتعهد بالإصلاح. هذا الأسلوب، رغم انتقاداته الكثيرة، يهدف إلى إعادة بناء جسور الثقة بين الدولة والمواطن، خاصة في المناطق المهمشة أو المتضررة مثل قابس.

ومع ذلك، تبقى الأسئلة الكبرى معلقة في الهواء، تماماً مثل الغبار الذي يغطي المنطقة. هل ستترجم التعهدات الرئاسية إلى إجراءات فعلية على الأرض؟ هل سيتم إغلاق الوحدات الملوثة فعلاً، أم ستبقى المشكلة معلقة في الانتظار؟ وهل ستتم محاسبة المسؤولين عن التسيير الخاطئ للمجمع الكيميائي، أم ستكتفي الزيارة بإعادة التأكيد على الخطاب؟

في نهاية المطاف، تظل قابس مختبراً حقيقياً لسياسة قيس سعيد الإصلاحية. إن نجاح أو فشل هذه الزيارة في إحداث تغيير ملموس في حياة أهالي الجهة، سيكون مؤشراً حاسماً على جدية النوايا وقوة الإرادة السياسية في مواجهة الفساد البيئي والسياسي. فالوقت، كما يقولون، لا يرحم، والمواطنون في قابس لم يعودوا يملكون من الوقت الكثير لانتظار الحلول السحرية.

شارك هذا المقال