في ليلة واحدة، انهارت الهشاشة التي اعتدنا وصفها في ليبيا إلى ساحة حقيقية من الدماء والبارود، حيث ارتقى اغتيال اللواء فوزي المنصوري، آمر الاستخبارات العسكرية في بنغازي، إلى مستوى التحدي المباشر لكل من يظن أن المنطقة قد استقرت. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد خبر عابر أو ضجة إعلامية مؤقتة، بل عن حدث زلزل المنطقة بأكملها، ووجه مباشرة إلى تونس التي تقف، مرة أخرى، في موقف المتفرج الخائف. واقعنا الجغرافي لا يعترف بالحدود السياسية التي نرسمها على الخرائط لنطمس أنفسنا، فدم المنصوري الذي سفك مساء الاثنين 10 أوت 2026، هو دهن يمتد بسرعة نحو شواطئنا، محملا برائحة الفوضى التي نعتقد خطأً أنها ستبقى محصورة داخل الحدود الليبية.
من هو المنصوري؟ لماذا استُهدف آمر الاستخبارات؟
لم يكن اختيار الهدف عشوائياً، فاللواء فوزي المنصوري ليس جندياً عادياً، بل هو رأس الحربة في جهاز الاستخبارات العسكرية التابع للقيادة العامة لقوات شرق ليبيا. هذا المنصب، بحد ذاته، يمثل نقطة توتر استراتيجية في معادلة القوى الليبية المتصارعة. تشير التقارير الأولية الصادرة عن مصادر أمنية موثوقة، بما في ذلك وكالة الأناضول وموقع الوسط الليبي، إلى أن اغتيال المنصوري تم عبر عبوة ناسفة استهدفت مركبته، في عملية تتطلب دقة متناهية ومعلومات استخباراتية دقيقة، مما يطرح علامات استفهام كبيرة حول وجود خلية داخلية أو تسريب للمعلومات.
هذه الجريمة ليست مجرد تصفية شخصية، بل هي رسالة سياسية وعسكرية بامتياز. في سياق عودة سلطة السلاح والميليشيات التي تشهدها ليبيا حالياً، يكتسب استهداف مسؤول بهذا الحجم دلالة واضحة: محاولة لزعزعة استقرار شرق ليبيا، وإضعاف البنى الأمنية التي تحاول، بصعوبة شديدة، فرض نوع من النظام في فوضى متزايدة. مصطفى عبد الكبير، رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، أكد الخبر ووصفه بأنه مؤشر خطير، معتبراً أن ما يحدث يتجاوز الجانب الأمني المحلي ليصبح تهديداً إقليمياً. إننا أمام تحول نوعي في طبيعة الصراع الليبي، حيث تتحول الاستخبارات العسكرية إلى ساحة للصراع المباشر، مما يعني أن الحروب غير المعلنة قد دخلت مرحلة أكثر وحشية وتعقيداً.
"ما يحدث حالياً في ليبيا يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب المحلي، وهو إنذار خطير لكل الجيران، خاصة تونس التي لا يمكنها الانعزال عن هذا الواقع المتفجر." - مصطفى عبد الكبير، رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان.
ثلاث جبهات في ليلة واحدة: ليبيا تنزلق نحو الهاوية
إذا كان اغتيال المنصوري هو الحدث الأبرز، فهو لم يأتِ منفصلاً عن سياق عام من التدهور الأمني المتسارع. فقد انفجرت أزمات ليبيا على ثلاث جبهات في ليلة واحدة، مما يرسم لوحة كارثية للوضع الراهن. إلى جانب التصفية في بنغازي، شهدت مدينة الزاوية هجمات بطائرات مسيرة على منشآت حيوية، في وقت قدمت فيه استقالة مفاجئة تضاف إلى القائمة الطويلة من الأزمات السياسية والأمنية. هذا التزامن ليس صدفة، بل هو دليل على تنسيق محكم أو على انهيار كامل للرقابة الأمنية في الدولة الليبية.
استخدام الطائرات المسيرة في الزاوية، وهو تطور تكنولوجي في أساليب الحرب غير المتكافئة، يضاف إلى عمليات التصفية الميدانية في الشرق، ليشكل معادلة خطر معقدة. نحن أمام سيناريو يتكرر فيه التاريخ، حيث تعود الميليشيات إلى مسرح الأحداث بقوة، وتتحول المدن الليبية إلى ساحات قتال مفتوحة. هذا الوضع لا يمكن تفسيره بمصطلحات دبلوماسية رنانة، بل هو واقع دموي قاسٍ. التقارير الواردة من بنغازي والزاوية تؤكد أن الدولة الليبية، بصورها المختلفة، فقدت السيطرة الفعلية على أراضيها، مما يفتح الباب واسعاً أمام الجماعات المسلحة لتنفيذ عملياتها بحرية تامة، مستغلة الفراغ الأمني والسياسي المتعمد.
هنا، يجب أن نكون صريحين: لا يمكن فصل هذه الأحداث عن الديناميكيات الإقليمية الأوسع. ليبيا ليست جزيرة معزولة، بل هي فوهة بركان تهدد استقرار شمال أفريقيا بأكمله. كل عملية اغتيال، وكل هجوم بطائرة مسيرة، هو حجر يُلقى في حوض سكون مزيف، موجهاً موجات الصدمة نحو تونس، الجزائر، والمغرب. إننا نرى بوضوح كيف أن الفوضى في ليبيا تتحول إلى سوق للمسلح، ومختبر للتجارب العسكرية التي قد تنتقل لاحقاً إلى جوارنا المباشر.
تونس: صمت يترجم إلى خطر وجودي
في حين تشتعل بنغازي والزاوية، تقف تونس في موقف المتفرج المحرج. مصطفى عبد الكبير، في تحذيره الصريح عبر منصة "تونيسكوب"، أشار إلى خطورة التطورات المتسارعة، معتبراً أن الأبعاد تتجاوز الجانب المحلي. لكن هل تستمع تونس لهذا التحذير؟ الواقع يقول إننا نعيش في حالة من الإنكار الجماعي. نعتقد أن الحدود المرسومة على الخريطة هي درع واقٍ، بينما التاريخ يعلمنا أن الفوضى لا تحترم الحدود. اغتيال آمر استخبارات في بنغازي هو إنذار، لكننا نفضل أن نعتبره خبراً عادياً في سيل الأخبار اليومية.
بعض المراقبين قد يجادلون بأن تونس لا تملك القدرة على التأثير في الشأن الليبي، وأن التدخل قد يكون عبئاً إضافياً على اقتصادنا المرهق. هذه الحجة، وإن كانت تبدو منطقية على السطح، فهي في العمق مدمرة. فهي تبرر العزلة والانسحاب من الساحة الإقليمية، مما يجعلنا فريسة سهلة لأي تداعيات سلبية. الواقع، كما يصفه عبد الكبير، هو أن الأمن التونسي مرتبط بشكل عضوي بالأمن الليبي. أي تصعيد في ليبيا ينعكس حتماً على تدفقات الهجرة غير النظامية، وتهريب الأسلحة، ونشاط الجماعات الإرهابية التي تجد في الفوضى الليبية ملاذاً آمناً.
لا يمكننا الاستمرار في التظاهر بأن ما يحدث في بنغازي لا يهمنا. كل عملية اغتيال في الجوار هي خطوة إضافية نحو زعزعة استقرار المنطقة. إننا نواجه واقعاً قاسياً يتطلب وعياً سياسياً وأمنياً مختلفاً، بعيداً عن الإنكار والتبريرات. الفوضى الليبية ليست مشكلة ليبيا وحدها، بل هي مشكلة إقليمية بامتياز، وتونس، بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، هي الأكثر عرضة لصدى هذا الانفجار.
في الختام، يبقى السؤال المقلق: إلى متى سنستمر في مراقبة الحريق من شرفة منزلنا الجار؟ اغتيال اللواء فوزي المنصوري ليس نهاية القصة، بل هو ربما بداية فصل جديد من العنف غير المحدد في ليبيا، وفصل من المسؤولية المفقودة في تونس. نحن بحاجة إلى مواجهة الحقيقة كما هي، دون حواجز أو مسكنات، لأن الفوضى في الجوار لا تنتظر حتى ننتهي من جدالاتنا الداخلية. الرقم الذي يجب أن نحفظه ليس فقط تاريخ الاغتيال، بل عدد المرات التي كررنا فيها وعدها بعدم الانزلاق في نفس المصير، وعد لم ينجح حتى الآن.