محمد إمام: صمتٌ مدوٍ في تونس بينما العالم يحتفي

محمد إمام: صمتٌ مدوٍ في تونس بينما العالم يحتفي

في خضمِّ ضجيجِ الصيفِ التونسيِّ، وبينما تُغرقُ الشاشاتُ المتحركةُ المتفرجينَ في تفاصيلِ مبارياتِ وديةٍ لا تُغيرُ شيئاً في واقعِ الكرةِ المحلية، يبرزُ اسمٌ واحدٌ كحجرٍ رمي في بركةٍ راكدة: محمد إمام. لا، ليس هناك إعلانٌ رسميٌّ، ولا مؤتمرٌ صحفيٌّ في فندقِ «هيلتون»، ولا حتى تغريدةٌ غامضة. لكنَّ السؤالَ الذي يترددُ في أروقةِ صناعةِ الترفيهِ العربيِّ، ولا سيما في تونس، صارَ طارئاً: أينَ هوَ «الملك»؟ لماذا يظلُّ محمد إمام غائباً عن المشهدِ الثقافيِّ التونسيِّ رغمَ الطلبِ الهائلِ على محتواه؟

الوضعُ غيرُ مريح. بينما نرى نجومَ غنائيينَ مثل تامر عاشور يشعلونَ مهرجانَ قرطاجَ ويسببونَ زحاماً مرورياً وإعلامياً، يظلُّ محمد إمام في الظل. هل هي سياسةٌ متعمدة؟ أم هوَ انسحابٌ طوعيٌّ من سوقٍ باتت تُفقدُ مصداقيتها؟

قرطاجُ تلهثُ وراءَ «الترفيه» الخفيف، وتُهمشُ العمق

لنكنَ صريحين. مهرجانُ قرطاج، هذا الصرحُ الثقافيِّ الذي يفترضُ به أن يكونَ مرجعاً للفنِّ الجادِّ، تحولَ في السنواتِ الأخيرة إلى سوقٍ شعبيٍّ ضخمٍ يبيعُ الترفيهَ السطحي. حضورُ تامر عاشور، وتألقُه، وحضورُ الجماهيرِ الكبير، يُعدُّ ظاهرةً اجتماعيةً قبلَ أن تكونَ فنية. الناسُ يأتونَ للهروبِ من الواقع، ليس للتعاملِ معه. وهنا تكمنُ المشكلةُ الجوهرية: تونسُ تحتاجُ إلى محمد إمام أكثرَ مما تحتاجُ إلى أغنيةٍ راقصة.

محمد إمام ليس مجردَ ممثل. هوَ مرآةٌ تعكسُ هشاشةَ المجتمعاتِ العربية، وسخريةَ الطبقةِ الوسطى، وعجزَ الأنظمة. حضورُه في تونس، ولو لمرةٍ واحدة، كان ليُحدثَ زلزالاً ثقافياً يفوقُ بكثيرَ ضجيجَ حفلاتِ الغناء. لكنَّ الغيابَ مستمر. لماذا؟

«المشكلةُ ليست في غيابِ النجوم، بل في غيابِ الرؤيةِ الثقافيةِ التي تستوعبُ عمقَهم بدلاً من سطوحِهم.»

إنَّ التركيزَ على الفعالياتِ الغنائيةِ، وتجاهلِ الأعمالِ السينمائيةِ أو المسرحيةِ العميقة، هوَ اعترافٌ صامتٌ بفشلِ الخطابِ الثقافيِّ الرسمي. محمد إمام يمثلُ التحديَّ الذي يخشاهُ المنظّمون: الجمهورُ الذي يفكر، لا الذي يرقصُ فقط. ومن هنا، يصبحُ صمتُ اسمِ محمد إمام في الجداولِ التونسية، ليسَ صدفة، بل هوَ قرارٌ استراتيجيٌّ لطمسِ أيِّ محاولةٍ للحوارِ الجاد.

الكرةُ التونسية: مسرحٌ فارغٌ بينما العالمُ يتحرك

إذا انتقلنا إلى المشهدِ الرياضيِّ، نجدُ صورةً مشوّهةً أخرى. فوزُ مستقبل المرسى على الترجي بنتيجةِ 2-1 في مباراةٍ ودية، أو تحضيراتُ الصفاقسي ضدَّ سان بيدرو الإيفواري، أخبارٌ تملأُ الصفحاتَ الأولى، لكنها لا تُغيرُ من واقعِ الانهيارِ الهيكليِّ للكرةِ التونسية. هذه المبارياتُ الوديةُ، التي تُقامُ في أغسطس 2026، هيَ مجردُ دواءٍ مسكّنٍ لمرضٍ عضال.

في هذه الأثناء، يُذكرُ اسمُ محمد إمام في أذهانِ المشجعينِ الذينَ يبحثونَ عنَ بديلٍ عنَ اليأس. كرةُ القدمِ التونسيةُ فقدتْ نجومَها العالميين، وفقدتْ مشروعها. وهيَ تشبهُ في ذلك صناعةَ السينماِ العربيةَ التي فقدتْ عرشَها. محمد إمام كانَ نجماًَ عالمياًَ بمعنى الكلمة، يجمعُ بينَ الفنِّ والتأثيرِ الاجتماعي. أينَ نحنُ منَ هذا النموذج؟

التحضيراتُ للموسمِ الجديد، سواءٌ في الترجي أو الصفاقسي، تمرُّ في صمتٍ نسبيٍّ مقارنةٍ بالاهتمامِ العالميِّ الذي يحظى به محمد إمام في أعمالِه الجديدة. الفرقُ ليسَ في الجودةِ الفنيةِ فقط، بل في القدرةِ على صناعةِ الحدث. محمد إمام يُحدثُ ضجةً دونَ أن يتحرك، بينما الأنديةُ التونسيةُ تتحركُ دونَ أن تُحدثَ ضجةً حقيقية.

السياقُ الاقتصاديُّ: عربةٌ أمامَ الحصان

لننظرْ إلى الصورةِ الكبيرة. تونسُ تعاني منَ أزمةٍ هيكليةٍ عميقة. تقاريرُ حديثةٌ تشيرُ إلى أنَ مجلسَ نوابِ الشعبِ وضعَ «العربةَ أمامَ الحصان» في معالجةِ قضايا العملِ الحرِّ و«باي بال». هذا الانعكاسُ في التفكيرِ الإداريِّ والقانونيِّ هوَ السببُ الجذريُّ لغيابِ أيِّ فعالياتٍ ثقافيةٍ كبرى تستقطبُ نجومَ عالميينَ مثل محمد إمام.

كيفَ يمكنُ تنظيمُ مهرجانٍ دوليٍّ كبيرٍ، أو دعوةَ نجومٍ عالميينَ، في بيئةٍ اقتصاديةٍ لا تسمحُ بتحويلِ الأموالِ بسهولة؟ محمد إمام يحتاجُ إلى بنيةٍ تحتيةٍ ماليةٍ وقانونيةٍ تدعمُ حضورَه. غيابُ هذا الدعمِ هوَ ما يجعلُ اسمَ محمد إمام يظلُّ حبراً على ورقٍ في الخيالِ التونسي، لا حضوراً فعلياً.

الوضعُ مأساوي. منَ جهة، نرىَ تحركاتٍ رياضيةٍ عاديةً، ومنَ جهةٍ أخرى، نرىَ جموداً اقتصادياً يُعيقُ أيَّ محاولةٍ للتجددِ الثقافي. محمد إمام هوَ رمزُ النجاحِ العربيِّ الذي لا يُقابلُه في تونسُ سوىَ فشلٍ مؤسسيٍّ متكرر.

هل سنظلُّ نكتفيَ بمتابعةِ أخبارِ تامر عاشور في قرطاج، ونتجاهلَ الفراغَ الهائلَ الذي يمثله غيابُ محمد إمام؟ السؤالُ ليسَ رиторياً، بل هوَ تحدٍّ للضميرِ الثقافيِّ التونسي.

في النهاية، يبقى محمد إمام ذلكَ الغائبَ الحاضر، الذي يذكّرُنا بأنَ الفنَّ الحقيقيَّ لا يُشترى، ولا يُمنحُ، بل يُبنى. وتونسُ، في صمتها المريب، تختارُ أن تبقىَ بعيدةً عنَ هذا البناء.

شارك هذا المقال