في حين نغرق في تفاصيل سياسية يومية لا تنتهي، وتضيع طاقتنا في جدال حول من سيحكم ومن سيُحكم عليه، تستمر الموت في حصد أرواح التونسيين على طرقاتنا بتبريد قاتل ولامبالاة مؤسسية. الرقم الذي كشفه اليوم رئيس جمعية السلامة المرورية، بلال الونيفي، ليس مجرد إحصائية جافة في تقرير سنوي، بل هو صرخة مسموعة من أكثر من 740 روحاً غادرت هذا العالم منذ بداية العام الجاري. نعم، الموت في تونس لم يعد حدثاً استثنائياً، بل تحول إلى وباء كامن، إلى نمط حياة مقبول ظاهرياً، بينما تتراكم الجثث وتندثر الأسر في صمت مدوي. لا نريد أن نغلق أعيننا على هذه المذبحة المنظمة التي تديرها إداراتنا الأمنية والبلدية بفشل مدوٍ.
مجزرة صامتة: وراء الأرقام المروعة
عندما نتحدث عن الموت في سياق حوادث المرور، يجب أن نتوقف عن استخدام لغة التخفيف. ما يحدث على شوارعنا ليس "حوادث" بالمعنى العشوائي للكلمة، بل هو نتيجة حتمية لتراكمات من الإهمال، وسوء الصيانة، وتراخي الرقابة. أكد بلال الونيفي، في تصريحاته الصريحة اليوم، أن هذه الأرقام تجاوزت حاجز 740 قتيلاً، مع تسجيل آلاف الجرحى. آلاف الجرحى! تخيلوا المشهد: آلاف الأسر التي تحطمت أحلامها في لحظة، آلاف الأطفال الذين فقدوا أباءهم، وآلاف الشباب الذين فقدوا مستقبلهم بسبب قاطرة الموت هذه.
السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مواطن، بكل جرأة، هو: لماذا نعتبر هذا الرقم "طبيعياً"؟ لماذا لا نعتبر أن فقدان 740 شخصاً في أقل من ثمانية أشهر هو كارثة وطنية تستدعي إعلان حالة الطوارئ الصحية والأمنية؟ الواقع، كما هو، قاسٍ ومفعم بالمرارة. نحن نعيش في دولة تتباهى أحياناً بـ"الاستقرار"، بينما طرقاتها تحولت إلى ساحات للقتل الجماعي. الموت هنا لا ينتظر الشيخوخة أو المرض، بل يطارده السائق في كل منعطف، وكل إشارة ضوئية معطلة، وكل طريق مليء بالحفر.
إن التبرير المعتاد الذي نسمعه من المسؤولين، حول "سلوك السائقين" و"غياب الوعي"، هو محاولة ذكية لتفادي المسؤولية الحقيقية. نعم، السائقون بحاجة إلى وعي، لكن هل من العدل أن نلوم الضحية بينما النظام نفسه مصمم للفشل؟ البنية التحتية المتداعية، والسيارات المستعملة التي تملأ الشوارع وتفتقر لأبسط معايير السلامة، والرقابة الأمنية التي تتحول أحياناً إلى عملية "تصفية حسابات" أو "جمع غرامات" بدلاً من منع الحوادث، كلها عوامل تساهم في صنع هذا الجحيم. الموت على الطرقات التونسية هو ثمرة نظام إداري وأمني فشل في حماية أقدس ما يملكه الإنسان: حياته.
حرارة قاتلة وموسم الحصاد
إذا كان الصيف في تونس موسم العطلات والسياحة، فهو أيضاً، وبكل أسف، موسم الموت. توقع المعهد الوطني للرصد الجوي، وفقاً لتقارير حديثة، صيفاً ممتداً وارتفاعاً في درجات الحرارة حتى شهر أكتوبر. هذا يعني أن موجات الحر الشديدة، التي تضعف السائقين وتزيد من حوادث الغيبوبة والنعاس خلف المقود، ستستمر لفترة أطول من المعتاد. الحرارة القاتلة لا تقتل فقط بالمباشرة، بل هي محفز قوي لحوادث السير المميتة.
نحن نعلم جيداً أن الإحصائيات التاريخية تشير إلى ارتفاع حاد في حوادث المرور خلال فصل الصيف. زيادة في حركة المرور، تعب السائقين، وطبيعة الطرق السريعة التي تشجع على السرعة المحرمة، كل ذلك يخلق مزيجاً متفجراً. ومع توقع استمرار الحرارة المرتفعة حتى الخريف، فإننا نواجه خطر استمرار وتيرة الموت هذه دون توقف. لا يوجد "فصل منخفض" للحوادث في تونس، بل هناك فترات ذروة تكون فيها المذبحة أكثر ضراوة.
هنا يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا. هل تتحرك الدولة؟ هل هناك خطة طوارئ حقيقية للتعامل مع هذا الارتفاع المتوقع في الحوادث؟ أم أننا سنستمر في رد الفعل المتأخر، بعد أن تسقط الجثث وتنتشر الدموع؟ الموت لا يرحم، والإدارة التونسية، في أحسن الأحوال، تتأخر في رد الفعل. نحن بحاجة إلى أكثر من تصريحات رمزية بعد كل حادث مروّع. نحن بحاجة إلى ثورة في طريقة إدارة المرور، في صيانة الطرق، وفي محاسبة المقصرين.
مقارنات قاسية: الموت في تونس مقابل العالم
لن نبحث بعيداً عن المقارنات. في أوروبا، حيث تتحدث التقارير عن "موسم الموت" على الشواطئ بسبب محاولات الهجرة، نرى أن الدول الأوروبية تتحرك بحزم شديد لمنع هذه المآسي، وإن كان ذلك لأسباب سياسية وإنسانية معقدة. لكن في تونس، الموت داخلي، محلي، وناتج عن إهمالنا نحن. بينما نناقش منحاً دراسية في تونس للطلاب الأجانب، كما أوضحت وزارة التربية والتعليم العالي مؤخراً، نغفل عن أن أعظم درس يمكن أن تقدمه تونس هو درس البقاء على قيد الحياة.
"الرقم الذي كشفه اليوم رئيس جمعية السلامة المرورية، بلال الونيفي، ليس مجرد إحصائية جافة في تقرير سنوي، بل هو صرخة مسموعة من أكثر من 740 روحاً غادرت هذا العالم منذ بداية العام الجاري."
هناك تناقض صارخ في أولوياتنا. نحرص على استقبال الطلاب الأجانب، ونوفر لهم المنح الدراسية، بينما أبناءنا يموتون على طرقاتنا بسبب إشارات ضوئية معطلة أو حفر عميقة. هذا ليس انتقاداً للتعليم أو للمنح، بل هو انتقاد لهيكلية الأولويات الوطنية. الموت على الطرقات التونسية هو مؤشر على عمق الأزمة الهيكلية التي نعاني منها. نحن ندير دولة كما لو كانت شركة تجارية، نبحث عن الأرباح والمنح، ونغفل عن رأس المال الأهم: حياة المواطنين.
بعض المراقبين قد يقولون إن تونس تتحسن، وأن الأرقام في انخفاض مقارنة بسنوات مضت. دعونا لا نغتر بهذه المقارنات الزائفة. 740 قتيل في أقل من ثمانية أشهر هو رقم مهول، بغض النظر عما كان عليه الوضع في الماضي. الماضي لا يعيد أرواحاً، والحاضر هو الذي يقتل. الموت لا يقبل التبرير بالمقارنات التاريخية. كل قتيل هو عائلة، هو قصة، هو حياة محطمة. لا يمكننا أن نفخر بأننا "أقل سوءاً" مما كنا عليه، بينما نبقى في مستوى كارثي عالمياً.
حان وقت المواجهة: لا مزيد من الصمت
إننا نقف اليوم أمام مفترق طرق. إما أن نعترف بأن الموت على طرقات تونس هو أزمة وجودية تتطلب تدخلاً جذرياً وشاملاً، أو نستمر في هذا الدوامة المميتة. المطلوب ليس فقط حملات توعوية سطحية، بل مراجعة شاملة لقوانين المرور، وتعزيز الرقابة التكنولوجية، ومحاسبة المسؤولين عن صيانة الطرق. المطلوب أيضاً تغيير في الثقافة المجتمعية، حيث يجب أن ندرك أن القيادة ليست مجرد وسيلة تنقل، بل هي مسؤولية كبيرة تجاه حياة الآخرين.
لا يمكننا الاستمرار في تجاهل هذه الحقيقة المرة. كل مرة نمر فيها بجثة على جانب الطريق، يجب أن نشعر بالخزي. كل مرة نسمع فيها عن حادث مميت، يجب أن نسأل: لماذا؟ لماذا لا نتحرك؟ لماذا نترك الموت يدير شوارعنا؟
في الختام، دعونا نتخيل مشهداً مستقبلياً: تونس ذات طرقات آمنة، حيث لا يخاف الآباء من إرسال أبنائهم في السيارة، حيث لا تكون الإشارات الضوئية معطلة، حيث لا تكون الحفر فخاً للموت. هذا المستقبل ممكن، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وشجاعة في المواجهة، ورفضاً تاماً للقبول بالموت كحتمية. الموت على الطرقات التونسية ليس قدرًا، بل هو اختيار نتخذه كل يوم بإهمالنا وسكوتنا. حان الوقت لنغير هذا الخيار، قبل أن يزداد عدد القتلى، وقبل أن نفقد الأمل في أن تكون تونس مكاناً آمناً لأبنائها.