ميادة الحناوي تأسر مسرح قرطاج في ليلة طرب استثنائية

ميادة الحناوي تأسر مسرح قرطاج في ليلة طرب استثنائية

لم يكن مجرد ظهور فني عادي، بل كان كسرًا للسكون الذي طالما غطى على الساحة الفنية المحلية. تحت الأضواء الساطعة التي تخترق ظلام المساء في مسرح قرطاج الأثري، صدى صوت ميادة الحناوي ليعيد الزمن إلى الوراء، محولاً قاعة المسرح إلى كورال ضخم يردّد كلمات أغنية "أنا بعشقك" التي سكنت الذاكرة العربية لعقود. في هذه الليلة، لم يكن الحديث عن مهرجان قرطاج الدولي مجرد ذكرى، بل كان حضوراً فعلياً لشاهد عيان على عراقة الأغنية العربية، وسط تفاعل جماهيري تجاوز حدود الترقب ليصل إلى حالة من الانفعال الجماعي.

عودة ميادة الحناوي: صدى صوت من زمن آخر

في الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، لم يكن حضور ميادة الحناوي مجرد عودة أحد أبرز وجوه الأغنية العربية الكلاسيكية إلى مهرجان قديم، بل كان حدثاً ثقافياً يحمل في طياته رسالة عن استمرارية التراث الفني. الجمهور الذي ملأ مقاعد المسرح الأثري مساء الخميس لم يأتِ لمشاهدة عرض روتيني، بل لحضور لحظة تاريخية تجمع بين الماضي والحاضر. صوت الحناوي، الذي حمل الأغنية العربية إلى زمن آخر، كان هو المحور الذي دارت حوله السهرة، مذكّراً الجميع بأن الطرب الحقيقي لا يموت، بل ينتظر اللحظة المناسبة للعودة بقوة.

كانت الأجواء مشحونة بالتوق، حيث انتظر المشجعون كل نغمة وكل كلمة، وكأنهم يخشون أن يفوتهم جزء من هذا الإرث الفني. لم تعد ميادة الحناوي لتغني فقط، بل كانت تروي حكاية شعب بأكمله، من خلال أصواتها التي لم تتأثر بمرور السنين. هذا الحضور في قرطاج كان تأكيداً على أن الفن الأصيل لا يزال يحظى بمكانة مرموقة في قلوب التونسيين والعرب على حد سواء، وأن المهرجانات الثقافية تبقى المنصة الأهم لإحياء هذه الذكريات.

"صدحت 'أنا بعشقك'.. فانتشى الجمهور، واستحال مسرح قرطاج كورالا كبيرا يردّد كلمات الأغنية التي سكنت الذاكرة العربية لعقود."

محمد خيري وميادة الحناوي: استحضار زمن الطرب الجميل

على إيقاع القدود الحلبية وروائع الأغنية الطربية العربية، تابع جمهور مسرح قرطاج الأثري سهرة فنية استثنائية جمعت الفنانين السوريين محمد خيري وميادة الحناوي. لم يكن هذا اللقاء مجرد عرض موسيقي، بل كان جسرًا يربط بين جيلين من الفنانين الذين أسسوا لعالم الطرب العربي. محمد خيري، بعمق صوته وقدرته على إيصال المشاعر، وميادة الحناوي، بسحرها الصوتي الفريد، شكلا ثنائياً لا يُنسى، حيث تآلفت أصواتهما لتخلق لوحة فنية متكاملة.

في هذه السهرة، تم استحضار "زمن الطرب الجميل"، تلك الحقبة التي كانت فيها الأغنية العربية ملكة بلا منازع. الجمهور لم يكن متفرجاً سلبياً، بل كان شريكاً في هذا العرس الفني، حيث كان ردّ فعله العفوي والحماسي يعكس مدى ارتباطه بهذا النوع من الفن. مسرح قرطاج، الذي شهد عبر تاريخه العديد من الأحداث الفنية الكبرى، كان الإطار المثالي لهذا اللقاء، حيث أضفت جدرانه الأثرية بعداً تاريخياً إضافياً للأداء الفني.

التفاصيل الصغيرة في العرض كانت تعكس عناية فائقة، من الإضاءة التي تبرز الوجوه إلى الصوت الذي يملأ كل زاوية من زوايا المسرح. كان كل عنصر في مكانه، لخدمة الهدف الأسمى وهو إحياء ذكرى هذا الفن الأصيل. لم يكن الأمر مجرد غناء، بل كان شعوراً بالانتماء إلى تراث عريق، مما جعل هذه الليلة في قرطاج محطة مميزة في تاريخ المهرجان.

قرطاج بين الفن والواقع: تأخير باخرة "قرطاج" وحضور ثقافي

بينما كانت الأضواء تتركز على المسرح والأغاني، كانت أحداث أخرى تدور في خلفية المشهد، تذكّرنا بأن قرطاج ليس مجرد اسم لمهرجان أو موقع أثري، بل هو جزء من نسيج الحياة اليومية في تونس. ففي نفس الفترة، شهدت حركة النقل البحري بعض التأخيرات، حيث أكّد مصدر من الشركة التونسية للملاحة أن رحلة باخرة "قرطاج" المقررة صباح يوم الجمعة 7 أوت 2026 من ميناء حلق الوادي نحو ميناء جنوة الإيطالي، قد تأخرت بسبب وقفة احتجاجية. هذا التداخل بين الأحداث الفنية والأحداث اليومية يبرز تعددية المشهد التونسي، حيث يتعايش الفن مع التحديات العملية.

تأخير باخرة "قرطاج" يسلط الضوء على الحراك الاجتماعي المستمر في البلاد، والذي يؤثر على مختلف القطاعات، بما في ذلك النقل والسياحة. ومع ذلك، فإن نجاح السهرة الفنية في مهرجان قرطاج يثبت قدرة الثقافة على خلق لحظات من التجمع والفرح، حتى في أوقات التوتر. الجمهور الذي حضر السهرة الفنية لم يكن معزولاً عن الواقع، بل كان جزءاً من مجتمع يعيش تحدياته اليومية، لكنه يختار في هذه الليلة أن يتوقف للاستمتاع بالجمال والفن.

هذا التناقض الظاهري بين التأخير في الميناء والحماس في المسرح يعكس تعقيد الواقع التونسي. من جهة، هناك مطالب اجتماعية واقتصادية تجبر الناس على الاحتجاج، ومن جهة أخرى، هناك حاجة ماسة للثقافة والفن كوسيلة للهروب والتعبير عن الهوية. قرطاج، في هذا السياق، يصبح رمزاً لهذا التوازن الدقيق بين الماضي والحاضر، بين الفن والواقع. السؤال الذي يبقى مطروحاً هو كيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن تستمر في تقديم مثل هذه العروض الاستثنائية، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد؟

في النهاية، تبقى ليلة ميادة الحناوي ومحمد خيري في قرطاج ذكرى لا تُنسى، لحظة من الجمي الذي يخترق الحواجز ويوحد الناس حول قيم مشتركة. ومع استمرار المهرجان في تقديم فعالياته، يتساءل الجميع: هل ستستمر هذه الموجة من الإحياء الفني في السنوات القادمة، أم أنها مجرد استثناء في ظل واقع ثقافي متغير؟

شارك هذا المقال