لن نبدأ بالتهاني أو الشجب المعتاد، لأن المشهد في حركة حماس والمنطقة كلها أصبح أشبه بمسرحية荒诞ية لا نعرف من هو الممثل ومن هو المخرج. الحديث اليوم ليس عن تاريخ قديم، بل عن حدث محوري وقع حديثاً ويغيّر موازين القوى على الطاولة. نعم، أنتم تقرأون بشكل صحيح: حركة حماس وافقت على الإطار الأمريكي لنزع السلاح، لكن الطرف الآخر، أي الاحتلال الصهيوني، قال "لا". هل تصدقون ذلك؟ في عالم المنطق السليم، عندما توافق طرف على الشروط، يتقدم الطرف الآخر بخطوة، لكن هنا، اللعبة مختلفة تماماً.
نحن في تونس، ونراقب المشهد من بعيد، لكننا نعرف جيداً أن كل تفصيلة في هذا الملف تؤثر على استقرارنا الإقليمي والاقتصادي. فماذا حدث بالضبط؟ ولماذا يرفض الاحتلال خطة كان من المفترض أن تكون "مقبولة" من الجميع؟ دعونا نفكك الأمر معاً، بعيداً عن الدعايات المغلفة، وبقرب من الحقيقة العارية.
موافقة حماس على نزع السلاح: مفاجأة أم استسلام؟
دعونا نكون صريحين: عندما تسمع أن حركة حماس وافقت على إطار مدعوم من الولايات المتحدة يتضمن نزع السلاح، قد تتساءل: "هل هذا هو نهاية المطاف؟". لكن الأمر ليس بهذه البساطة. المصادر، وتحديداً ما نشرته مجلة فورين بوليسي مؤخراً، تشير إلى أن هذه الموافقة لم تكن مجرد توقيع على ورقة بيضاء، بل كانت خطوة استراتيجية معقدة. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا وافقت حركة حماس على هذا الشرط الجوهري؟
بصراحة، الوضع على الأرض في غزة كان قد وصل إلى نقطة اللاعودة، والضغوط الدولية، خاصة من واشنطن، كانت هائلة. الموافقة على نزع السلاح تبدو للوهلة الأولى كاستسلام، لكنها في الحقيقة قد تكون محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من وجود سياسي أو إنساني. لكن، هنا تكمن المفارقة الكبرى: حتى بعد هذه الموافقة، لم يتحرك الطرف الآخر نحو السلام، بل نحو المزيد من التعقيدات.
هل كان هذا تحركاً ذكياً من حركة حماس؟ أم أنه كان别无选择 (لا خيار آخر)؟ في السياسة، خاصة في الشرق الأوسط، لا شيء يكون أبدياً، ولا شيء يكون بسيطاً. ما حدث هو أن حركة حماس قدمت ورقة، لكن الطرف الآخر رفض حتى النظر إليها بجدية.
رفض الاحتلال: لعبة التأجيل أم رغبة في التدمير؟
وإليك الجزء الأكثر إثارة للجدل: رفض الاحتلال الصهيوني لخطة وقف الحرب في غزة، رغم موافقة حركة حماس على الشروط الأساسية. نعم، قرأتم جيداً. الاحتلال رفض الخطة. لماذا؟ هل كانت الشروط غير كافية؟ أم أن الهدف لم يكن السلام أبداً؟
المجلة الأمريكية ذكرت بوضوح أن الرفض جاء رغم الموافقة على الإطار المدعوم أمريكياً. هذا يعني أن العائق ليس في التفاصيل التقنية للخطة، بل في الإرادة السياسية للطرف الآخر. هل تريدون أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية؟ هذا الرفض يشير إلى أن الاحتلال يبحث عن مبررات لاستمرار العمليات، أو ربما يريد تغيير المعادلة بالكامل قبل الجلوس على طاولة المفاوضات.
تخيلوا معي المشهد: طرف يقول "نعم" على شرط كان يعتبر مستحيلاً (نزع السلاح)، والطرف الآخر يقول "لا". هذا ليس دبلوماسياً، هذا هو تعريف الفشل الدبلوماسي الصريح. والنتيجة؟ استمرار المعاناة، واستمرار تدفق اللاجئين، واستمرار التوتر الذي يمتد آثاره حتى إلى حدودنا التونسية والمغربية.
"رفض الاحتلال الصهيوني لخطة وقف الحرب في غزة، رغم موافقة حركة حماس على الإطار المدعوم من الولايات المتحدة لنزع السلاح، يعود إلى..." - مجلة فورين بوليسي
هذه العبارة، رغم اختصارها، تحمل في طياتها دراما كاملة. "يعود إلى..." ماذا؟ إلى الرغبة في السيطرة؟ إلى الضغوط الداخلية؟ إلى تحالفات إقليمية؟ نحن لا نعرف التفاصيل الدقيقة، لكننا نعرف النتيجة: الخطة فشلت، والحرب مستمرة، وحركة حماس وجدت نفسها في موقف محرج، حيث قدمت تنازلات كبيرة ولم تحصد شيئاً.
ماذا يعني هذا للمشهد الإقليمي وللتونس؟
ربما تتساءلون: "وما علاقة هذا بنا نحن في تونس؟". العلاقة مباشرة وغير مباشرة. أولاً، أي تطورات في غزة تؤثر على أسعار الطاقة والمواد الغذائية في الأسواق المحلية، وهذا أمر نعيشه يومياً. ثانياً، الموقف التونسي الرسمي، والمواقف الشعبية، تتأثر بكل منعطف في هذا الملف. نحن بلد إسلامي، ومجتمعنا حساس جداً تجاه كل ما يحدث لأشقائنا في فلسطين.
عندما نرى حركة حماس توافق على نزع السلاح وترفض الخطة، نشعر بخيبة أمل مزدوجة. خيبة أمل من استمرار المعاناة، وخبطة أمل من عدم جدية الحلول الدولية. هل نحن أمام نهاية مرحلة وبداية أخرى؟ أم أننا في حلقة مفرغة من العنف والرفض؟
لا يمكن تجاهل أن هذا الرفض الصهيوني يرسل رسالة واضحة للجميع: لا سلام، لا مفاوضات، بل استمرار في الهيمنة. وهذا يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، قد تشمل تصعيداً جديداً، أو تدخلات إقليمية أوسع. وكمجتمع تونسي، نحن نراقب كل هذه التطورات بقلق شديد، لأن استقرار المنطقة مرتبط بشكل وثيق باستقرارنا نحن.
في النهاية، ما حدث مع حركة حماس والاحتلال هو درس في عدم الجدية. عندما توافق طرف على الشروط، ويرفض الطرف الآخر، فهذا يعني أن الحل ليس في الأوراق، بل في الإرادة. وحالياً، الإرادة غائبة.
ننتظر ما سيحدث بعد ذلك، لكن التوقعات قاتمة. هل ستعود حركة حماس إلى طاولة المفاوضات؟ أم ستنسحب تماماً؟ وهل سيقبل الاحتلال بشروط جديدة؟ الأسئلة كثيرة، والإجابات غائبة. لكننا نعرف一件事 واحدة: الشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن، ونحن جميعاً نشعر بآثار هذا الدفع.
في الختام، دعونا نقولها بصراحة: هذا الرفض الصهيوني ليس مجرد قرار سياسي، إنه رسالة عنصرية واضحة بأن الحقوق لا تُعطى، بل تُسلب. وحركة حماس، رغم كل انتقاداتنا لها، وجدت نفسها ضحية لهذه اللعبة القذرة.
لا أمل في الحل قريباً، والواقع أكثر قسوة من أي تحليل.